تقرير مركز مساعدة

  

تقرير مركز مساعدة متضررات العنف الجنسيّ والجسديّ في جمعيّة نساء ضدّ العنف، عن الفترة الزمنية الممتدة بين كانون الثّاني حتى حزيران 2025. 

يصدر "مركز مساعدة متضررات العنف الجنسي والجسدي " في جمعية نساء ضد العنف تقريره نصف السنوي للعام 2025, ويتضمن معطيات حول توجهات نساء وفتيات متضررات من العنف الجسدي والجنسي التي وصل عددها الى 591 توجها خلال الفترة الزمنية الممتدة بين كانون الثاني حتى حزيران 2025.  

 

تمثّل ظاهرة العنف ضدّ النساء أحد أكثر تجليات النِّظام الأبوي، إذ لا يمكن فصلها عن بنية اجتماعية وسياسية تُكرِّس السيطرة الذكورية وتعيد إنتاج التمييز والهيمنة عبر مؤسسات الدولة والمجتمع على حدّ سواء. العنف ضد النساء ليس حادثًا فرديًّا، بل هو أداة للضبط والإخضاع، تُمارَس للحفاظ على هرم السلطة الجندرية.

ولا يقتصر هذا العنف على الجسد، بل يمتدّ إلى العقول والجيوب والأحلام، عبر التهميش والإفقار والاسكات المنهجي. تُدفع النساء إلى الصمت تحت وطأة الخوف من الوصمة أو الانتقام أو النبذ، بينما يُكافأ المعتدون بصمت المجتمع وتواطؤ القانون.

إنّ مقاومة العنف ضد النساء لا تعني مجرّد المطالبة بالحماية، بل تعني تفكيك البُنى التي تنتجه، ومساءلة النظام الأبوي في كلّ أشكاله: من الأسرة إلى الدولة، ومن القانون إلى الخطاب الثقافي. وحدها العدالة الجندرية، القائمة على الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص قادرة على كسر حلقة العنف واستعادة النساء لأجسادهنّ وأصواتهنّ وفضاءاتهنّ.

 

 

يُظهر الرسم تراجعًا مستمرًا في البوح بجرائم العنف الجسدي واللفظي، ما يشير إلى وجود عوائق بنيوية وثقافية تمنع النساء المتضررات من طلب المساعدة. ويمكن تفسير هذا الانخفاض بتداخل عوامل داخلية تتصل بالبيئة والعائلة، وأخرى خارجية كالحرب وتداعياتها

تُظهر البيانات أيضًا انخفاضًا واضحًا في التوجهات إلى مراكز المساعدة منتصف عام 2024، نتيجة الحرب الأخيرة التي قيدت حركة النساء وأضعفت وصولهنّ إلى خدمات الحماية. كما أدّى التدهور الاقتصادي إلى زيادة تبعية النساء للمعيلين، بمن فيهم المعتدون أنفسهم، ما جعل خيار التبليغ محفوفًا بالخوف من فقدان الأمان المعيشي والاجتماعي.

 

 

 

جيل 22–33 يقود التوجه لطلب المساعدة

تُشكّل الفئة العمرية بين 22 و33 عامًا الشريحة الأكثر إقبالًا على طلب المساعدة بنسبة 40%، في مؤشر على تحوّلٍ نوعيّ تقوده نساء هذا الجيل اللواتي يرفضن الصمت والامتثال للهيمنة الأبوية. ينبع هذا التوجّه من وعيٍ بأنّ طلب الدعم فعل مقاومة، واستعادة للحق في الأمان والكرامة.

هذا الجيل أكثر تعليمًا واطّلاعًا، وأقلّ خضوعًا للتابوهات الاجتماعية التي كبّلت الأجيال السابقة بالصمت والعار. النساء الشابات اليوم يُعدن تعريفالقوةمن جديد؛ فهنّ لا يرين في طلب المساعدة استسلامًا، بل خطوة واعية لكسر دوائر العنف البنيوي الممتدة من البيت إلى الدولة.

كما مكّنتهن التكنولوجيا ووسائل التواصل من الوصول إلى المعرفة والمساندة، وتوسيع فضاءات التضامن النسوي العابرة للجغرافيا والعائلة. وبفضل استقلاليتهن المتزايدة ماديًّا ونفسيًّا، صرن أكثر قدرة على مواجهة التهديدات الاجتماعية والاقتصادية، واتخاذ قرارات حرة بشأن أجسادهنّ وحيواتهنّ.

إنّ تصدّر هذا الجيل لمشهد المواجهة لا يعكس مجرّد تطوّرٍ في الوعي، بل تحوّلًا سياسيًّا ولو كان بسيطا في ميزان القوة بين النساء والنظام الأبوي.

 

30% من جرائم الاعتداءات الجنسية تمت على اطفال (تحت ال18)

تواجه الفتيات والفتيان تحديات كبيرة في البوح عن العنف الجنسي بسبب ضعف الوعي القانوني، والخوف من العواقب العائلية والاجتماعية، ما يؤكد الحاجة إلى ترسيخ الوعي بحقوق الأطفال والمراهقين وحماية أجسادهم من الانتهاك.
 
يُسكت الخوف والشعور بالذنب أو التهديد الضحايا الصغار، خاصة حين يكون المعتدي قريبًا أو شخصًا في موقع سلطة، فيفقد الأطفال ثقتهم بالكبار ويجدون أنفسهم بلا أمان أو دعم.
 
ولخلق مساحة آمنة للبوح، لا بد من بناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام بين الأطفال والبالغين، وتعليمهم أنّ أجسادهم ملك لهم وحدهم، وأنّ اللمس دون رضاهم انتهاك لا يُبرَّر. كما يجب الإصغاء إليهم بهدوء ومن دون لوم، وتوفير دعم نفسي ومهني متخصص، إلى جانب نشر الوعي والتدريب في المدارس والمجتمع والعائلة لتمكين الأطفال من الحديث بأمان وكسر دائرة الصمت.

 

 

تُظهر البيانات أن التحرش الجنسي يشكّل النسبة الأكبر من الاعتداءات الجنسية بنسبة 60%، ويتضمن سلوكيات لفظية أو جسدية غير مرغوبة تُسبب شعورًا ب التهديد، عدم الارتياح والانزعاج.

في المقابل، تمثّل الاعتداءات الجنسيةمثل الاغتصاب (14%) والأعمال المشينة (7%)نسبةً أقل من إجمالي التوجهات. إلا أنها تُعدّ أكثر خطورة وتأثيرًا نفسيًا وجسديًا على المتضررات. تُظهر المعطيات أنَّ 15% من الاعتداءات ضد النساء جرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتشمل تصويرًا ونشرًا للصور الخاصة، ومضايقات وتهديدات ورسائل ذات طابع جنسي غير مرغوب فيه. هذا العنف الرقمي ليس مجرد انتهاك للخصوصية، بل امتدادٌ لهيمنة السلطة الذكورية على أجساد النساء وصورتهن في الفضاءين العام والافتراضي على حدّ سواء.

ولمواجهة هذا الواقع، لا بدّ من بناء وعي جماعي حول حقوق النساء في الفضاء الرقمي، من خلال حملات نسوية تعليمية تُسلّط الضوء على أخطار الاستخدام غير الآمن، وتشجع النساء والفتيات على استعادة السيطرة على حضورهنّ الإلكتروني. كذلك هنالك مسؤولية مشتركة على الأهل، والمؤسسات التعليمية، والقانونية، والمنصات الرقمية لضمان فضاء إلكتروني آمن لا تُعاقَب فيه الضحايا بل المعتدون.

 

 

 

 

تُظهر المعطيات أنَّ 28% من جرائم الاعتداء الجنسي ترافقت مع وجود تأثير لمواد كالكحول أو السموم أو ما يُعرف بـسم الاغتصاب، ما يشير إلى أن جزءًا من هذه الجرائم جرى في ظروف تغييب متعمّد لوعي الضحية. هذا النمط من الاعتداءات لا يحدث صدفة، بل هو فعل مُخطّط يستخدم فيه المعتدي مواد تُضعف الإدراك وتشلّ القدرة على المقاومة، ما يجعل الجريمة قائمة على نزع السيطرة من جسد الضحية وإخضاعها التام.

تؤدي هذه المواد إلى فقدان الوعي أو الذاكرة المؤقتة، والدوخة، والغثيان، ما يُدخل الضحية في حالة من العجز والارتباك تليها صدمة نفسية عميقة ناتجة عن فقدان الذاكرة أو عدم القدرة على استيعاب ما جرى. إنّ هذا النوع من العنف يُجسّد أقصى أشكال السيطرة الذكورية، إذ يُسلب من النساء حقّهن في الوعي، والاختيار، والدفاع عن أجسادهن.

من الضروري التدخّل الطبي الفوري خلال الساعات الـ 72 الأولى بعد الاعتداء، لما لذلك من أهمية في حماية الصحة الجسدية والنفسية وتوثيق الأدلة القانونية. يشمل ذلك الفحص الطبي لتحديد الإصابات الظاهرة أو الداخلية، والعلاج الوقائي من الأمراض المنقولة جنسيًا، وتلقي وسائل منع الحمل الطارئة. كما يوفّر الوصول السريع إلى غرف الطوارئ أو المراكز المتخصّصة دعمًا نفسيًا أوليًا يساعد الضحايا على التعامل مع الصدمة واستعادة إحساسهنّ بالأمان.

الاستجابة الطبية والقانونية السريعة ليست إجراءً تقنيًا فحسب، بل فعل تضامن نسوي يرفض تطبيع العنف ضدّ الجسد ويؤكد حق النساء في المساءلة، والرعاية، والعدالة.

 

 

 

تُظهر البيانات أنَّ 66% من المبادرات بالاتصال جاءت مباشرة من المتضررات أنفسهن، وهو مؤشّر على ارتفاع الوعي والجرأة لدى النساء في كسر الصمت والمطالبة بالدعم. هذا الفعل بحد ذاته يُجسّد مقاومة نسوية ضدّ ثقافة الخوف واللوم، ويعبّر عن استعادة النساء لحقّهن في تقرير مصيرهنّ وطلب المساندة دون وساطة أو خضوع.

في المقابل، شكّلت الجهات الرسميةمثل الشرطة، والمؤسسات القضائية، والمعلمين، والمرشدين – 25% من الجهات المبادرة، ما يبرز دورهم الحيوي في الاكتشاف المبكر للعنف وتوفير الحماية. إلا أن هذا الدور لا يكتمل دون تأهيل وتدريب حسّاس جندريًا يضمن تعاملهم مع الضحايا باحترام، ويشجع النساء على طلب المساعدة بأمان ومن دون خوف من الوصمة أو إعادة الإيذاء.

ويُعدّ الدعم القانوني ركيزة أساسية في حماية المتضررات، إذ لا يقتصر على تسجيل الشكاوى، بل يشمل المرافقة المستمرة طوال المسار الجنائي والقضائي، لضمان تحقيق العدالة وصون الكرامة. في هذا الإطار، يواصل مركز المساعدة دوره في مرافقة النساء قانونيًا ونفسيًا، وتقديم بيئة داعمة تُعيد إليهن الثقة والسيطرة على مجرى حياتهن.

كما يشكّل مشروع رفع الوعي والتغيير المجتمعي أحد الأدوات الجوهرية في هذا المسار، من خلال الورشات والمحاضرات التوعوية التي تُعزّز فهم ظاهرة العنف وتُعرّف بالخدمات المتاحة، بما يرسّخ ثقافة التضامن والتمكين بدل الخوف والعزلة.

 

 

 

يُعدّ الإبلاغ السريع عن الحادثة خطوة حاسمة لضمان حقوق المتضررة في الحماية، العلاج، وتحقيق العدالة. التأخير في التوجه للجهات المختصة يؤدي إلى فقدان الأدلة الطبية والقانونية، ويزيد صعوبة محاسبة الجاني، ويضاعف الأثر النفسي على الضحية.

تشير البيانات إلى أنَّ 9% فقط من المتضررات يلجأن إلى البوح خلال الأسابيع الأولى بعد الاعتداء، ما يبرز الحاجة الملحّة لتقليص زمن الوصول إلى الدعم. لذلك، من الضروري تعزيز وعي النساء بحقوقهن وضرورة التوجه الفوري إلى المراكز المتخصصة، إلى جانب توفير وصول آمن، وخدمات طارئة متكاملة، وبرامج متابعة نشطة، لضمان الوقاية الفعّالة والحد من تطور الأضرار النفسية والجسدية على المدى المتوسط والبعيد.

 

 

 

 

 

 

تُظهر البيانات أن غالبية جرائم العنف الجنسي تُرتكب من قبل أشخاص معروفين للضحية، ضمن دائرة الأسرة، الأصدقاء، والمعارف، وليس من غرباء. هذا الواقع يوضح أنّ العنف الجنسي ليس فعلًا فرديًا، بل امتداد للهيمنة الذكورية والبنى الاجتماعية التي تمنح الرجال سلطة وقوة على النساء، وتبرّر أو تتسامح مع سلوكيات التسلط.

العنف هنا ليس رغبة جنسية، بل استخدام للقوة والسيطرة لإخضاع الضحية وفرض الهيمنة، ما يجسّد أحد أشكال العنف الجندري الذي يكرّس التمييز بين الجنسين.

14 % من الاعتداءات تأتي من أشخاص موضع ثقة أو في مواقع سلطوية

تشير النسب إلى أن 10% من المعتدين يعملون كمرشدين، معالجين، أو معلمين، و4% يشغلون مواقع سلطة أو إشراف في العمل أو التعليم، ما يعني أن 14% من الاعتداءات تأتي من أشخاص موضع ثقة أو في مواقع سلطوية. هذه الديناميكية تجعل من الصعب تصديق الضحية أو مساءلة المعتدي، وتزيد من آثار الصدمة النفسية، بما في ذلك ترك الدراسة أو رفض تلقي العلاج خوفًا من تكرار الاعتداء.

لذلك، من الضروري توفير مساحات داعمة وسرية تسمح للمتضرّرات بالبوح وطلب المساعدة بأمان، بعيدًا عن الخوف والوصمة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة المساءلة للحد من استمرار العنف الجندري.

 

 

تكشف البيانات أن المنزل، سواء بيت المعتدى عليها أو بيت المعتدي، يشكّل المسرح الأكثر خطورة للعنف ضد النساء، بنسبة 68% لحالات العنف داخل بيت الضحية و9% داخل بيت المعتدي. هذا الواقع الخطير يُظهر أن المكان المفترض أن يكون الأكثر أمانًا يتحوّل إلى فضاء للعنف والتهديد. أما الأماكن الأخرى، مثل مكان العمل (7%) أو الجامعة أو المدرسة (5%)، فتسجّل نسبًا أقل بكثير.

يؤكد هذا التوزيع أن العنف ضد النساء ليس قضية تحدث في الشارع أو الفضاء العام فحسب، بل هو منتج لبنى السلطة الذكورية داخل العلاقات الشخصية والأسرية، حيث يستغل المعتدون لعزلة لفرض السيطرة والإذلال.
 
لذلك، يصبح كسر الصمت المجتمعي حول العنف الأسري ضرورة ملحّة، وعدم اعتباره شأنًا خاصًا، مع تعزيز التوعية داخل الأسرة والمجتمع لضمان حماية النساء وكسر دائرة السيطرة والتهديد داخل البيوت.

 

 

توجّه 28% من المتضرّرات إلى الشرطة لتقديم الشكوى ضد المعتدي، في موقف يُظهر شجاعة استثنائية وكسرًا للصمت، والمطالبة بالعدالة رغم الصعوبات الكبيرة في المسار الجنائي بما يشمل البيروقراطية والتأخير والتعامل مع جهات رسمية غير داعمة.

تزداد هذه الشجاعة وضوحًا عند النظر إلى المخاطر الواقعية في المجتمع العربي، حيث انتشار السلاح غير المرخّص وارتفاع معدلات الجريمة والعنف يجعل التوجّه للشرطة محفوفًا بالخطر على حياة المتضرّرة و/أو عائلتها.

إن توجّه النساء العربيات للإبلاغ ليس مجرد خطوة قانونية، بل فعل مقاومة نسوية يواجه العنف الجندري، ويعكس رفضًا للهيمنة الذكورية، ويؤكد حقهن في الحماية والمساءلة.